كرامات الإمام موسى بن جعفر

كرامات الإمام موسى بن جعفر
قال ابن الصباغ المالكي: «وأما كراماته الظاهرة وفضائله وصفاته الباهرة تشهد له بأنه افترع قمّة الشرف وعلاها، وسما الى أوج المزايا فبلغ أعلاها، وذللت له كواهل السيادة وامتطاها، وحكم في غنائم المجد فاختار صفاياها فاصطفاها»(1).
قال شقيق البلخي: «خرجت حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسية(2) فبينما أنا أنظر الناس في مخرجهم الى الحاج وزينتهم وكثرتهم، إذا نظرت الى شاب حسن الوجه شديد السمرة نحيف، فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية، ويريد أن يخرج مع الناس فيكون كلاًّ عليهم في طريقهم، والله لأمضيّن اليه ولأوبّخنه فدنوت منه فلما رآني مقبلا نحوه قال: يا شقيق (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فتركني وولى، فقلت في نفسي: ان هذا الأمر عظيم تكلم على ما في خاطري ونطق باسمي، هذا عبد صالح لألحقنه واسأله الدعاء وأن يحللني مما ظننته به، فغاب عني ولم أره.
فلما نزلنا واقصة، فإذا هو واقف يصلي، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه واستحلّه فصبرت حتى فرغ من صلاته، فالتفت إلي وقال: يا شقيق (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) ثم قام ومضى وتركني، فقلت: هذا الفتى من الأبدال قد تكلّم على سرّي مرتين.
فلما نزلنا زبالة، وإذا أنا بالفتى قائم على البئر وأنا أنظر اليه وبيده ركوة يريد أن يستقي فيها الماء، فسقطت الركوة من يده في البئر فرمق الى السماء بطرفه وسمعته يقول: أنت ربّي إذا ظمئت، وقوتي إذا طلبت طعاماً. ثم قال: اللهم الهي وسيدي، مالي سواك(3) فلا تعدمنيها. قال شقيق: فوالله لقد رأيت الماء ارتفع الى رأس البئر والركوة طافية عليه فمدّ يده وأخذها ملأى فتوضأ منها وصلى أربع ركعات، ثم مال الى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويجعل في الركوة ويحركها ويشرب، فاقبلت نحوه وسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله عليّ ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سوبق سكر، فوالله ما شربت قط الذ منه ولا أطيب فشبعت ورويت وأقمت اياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً.
ثم لم اره حتى حططنا بمكة، فرايته ليلة الى جنب قبة الشراب في نصف الليل وهو قائم يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك إلى طلوع الفجر، فلما اصبح جلس في مصلاه يسبح الله تعالى ثم مال إلى حاشية الطواف فركع الفجر هناك ثم صلى فيه الصبح مع الناس، ثم خرج يريد الذهاب فخرجت خلفه أريد السلام عليه وإذا بجماعة قد طافوا به يميناً وشمالا ومن خلفه ومن قدامه، وإذا له حاشية وخدم وحشم وموالي وأتباع قد خرجوا معه فقلت لهم: من هذا الفتى؟ فقالوا: هو موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت: لا يكون هذا الاّ لمثل هذا، ثم اني انصرفت.
وهذه الحكاية رواها جماعة من أهل التأليف والمحدّثين رواها ابن الجوزي في كتابه (مسير عزم الساكن الى أشرف الأماكن) ورواها الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي في كتابه (معالم العترة النبوية) ورواها الرامهرمزي قاضي القضاة في كتابه (كرامات الأولياء) وغيرهم»(4).
قال أبو خالد الزبالي: «قدم علينا أبو الحسن الكاظم عليه السّلام زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي بعثهم في اشخاصه اليه الى العراق من المدينة وذلك في مسكنه الأولى، فأتيته وسلّمت عليه فسر برؤيتي وأوصاني بشراء حوائج له وتعبيتها عندي، فرآني غير منبسط وأنا مفكر منقبض فقال: مالي أراك منقبضاً؟ فقلت: وكيف لا ورأيتك سائراً وأنت تصير الى هذا الطاغية ولا آمن عليك منه، فقال: يا أبا خالد، ليس علي منه بأس، فإذا كان اليوم الفلاني في شهر كذا فانتظرني آخر النهار مع دخول الليل فاني أوافيك ان شاء الله تعالى.
قال أبو خالد: فما كان لي همّ الاّ إحصاء تلك الشهور والأيام الى ذلك اليوم الذي وعدني المأتي فيه فخرجت وانتظرته الى أن غربت الشمس فلم أر أحداً فداخلني الشك في أمره، فلما كان دخول الليل فبينما أنا كذلك فإذا بسواد قد أقبل من ناحية العراق فإذا هو على بغلة أمام القطار، فسلّمت عليه وسررت بمقدمه وتخلّصه فقال لي: داخلك الشك يا أبا خالد؟ فقلت: الحمد لله الذي خلصك من هذا الطاغية، فقال: يا أبا خالد، ان لهم الي عودة اتخلّص منها»(5).
قال عيسى المدائني: «خرجت سنة الى مكة فأقمت مجاوراً، ثم قلت: أذهب الى المدينة فأقيم بها سنة مثل ما أقمت بمكة فهو أعظم لثوابي. وقدمت المدينة فنزلت طرف المصلى بجنب دار أبي ذر رضي الله عنه وجعلت أختلف الى سيدي موسى الكاظم عليه السّلام، فبينما أنا عنده في ليلة مطيرة إذ قال: يا عيسى قم، فقد انهدم البيت على متاعك، فقمت فإذا البيت قد انهدم على المتاع، فاكتريت قوماً كشفوا عن متاعي واستخرجت جميعه لم يذهب لي شيء غير سطل للوضوء، فلما أتيته من الغد قال: فقدت شيئاً من متاعك فندعوا الله لك بالخلف؟ فقلت: ما فقدت غير سطل كنت أتوضأ به، فاطرق رأسه ثلاثاً ثم رفعه فقال: قد ظننت أنّك أنسيته قبل جارية رب الدار فاسألها عنه وقل لها: أنسيت السطل في بيت الخلاء فردّيه وانها سترده عليك، قال: فسألتها عنه فردته»(6).
قال عثمان بن عيسى: «قال موسى الكاظم لإبراهيم بن عبد الحميد ـ وقد لقيه سحراً وإبراهيم ذاهب الى قبا وموسى داخل الى المدينة ـ يا إبراهيم الى أين؟ قال: الى قبا، قال: في اي شيء؟ فقال: انا في كل سنة نشتري من هذا التمر، فأردت أن آتي في هذه السنة الى رجل من الأنصار فاشتري منه نخلا، فقال له موسى: وقد أمنتم الجراد؟ ثم فارقه. فوقع كلامه في صدره فلم يشتر شيئاً، فما مرت خامسة حتى بعث الله جراداً أكل عامّة النخل»(7).
قال ابن الصباغ: «نقل صاحب كتاب نثر الدرّ: أن موسى بن جعفر الكاظم ذكر له أن الهادي قد همَّ بك، فقال لأهل بيته ومن يليه: ما تشيرون به عليّ من الرأي؟ فقالوا: نرى أن تتباعد عنه وأنه تغيّب شخصك عنه فانه لا يؤمن عليك من شره، فتبسّم ثم رفع يده الى السماء فقال: آلهي كم من عدو شحذ لي ظبة مديته وداف لي قواتل سمومه ولم تنم عني عين حراسته، فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح وعجزي عن كلمات الجوايح صرفت ذلك عني بحولك وقوتك لا بحولي وقوّتي، وألقيته في الحفيرة التي احتفرها لي خائباً ممّا أمله في دنياه متباعداً عن ما يرجوه في أخراه، فلك الحمد على قدر ما عممتني فيه من نعمك وما توليتني من جودك وكرمك، اللّهم فخذه بقوّتك وافلل حدّه عني بقدرتك واجعل له شغلا فيما يليه وعجزاً به عما ينويه. اللهم وأعدني عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاءاً ومن حنقي عليه وفاءاً، وصل اللهم دعايي بالاجابة وانظم شكايتي بالتعبير وعرفه عما قليل ما وعدت به من الإجابة لعبيدك المضطرين، انك ذو الفضل العظيم والمنّ الجسيم.
ثم ان أهل بيته انصرفوا عنه فما كان بعد مدّة يسيرة حتى اجتمعوا لقراءة الكتاب الوارد على موسى الكاظم بموت موسى الهادي، وفي ذلك يقول بعضهم:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي *** محلا ولم يقطع بها الأرض قاطع»(8)
قال ابن سنان: «حمل الرشيد في بعض الأيام الى علي بن يقطين ثياباً فاخرة أكرمه بها، ومن جملتها دراعة منسوجة بالذهب سوداء من لباس الخلفاء، فأنفذ بها علي بن يقطين الى موسى الكاظم عليه السّلام فردها الإمام اليه وكتب اليه: احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج معه اليها، فارتاب علي بن يقطين بردّها عليه ولم يدر ما سبب كلامه ذلك، ثم احتفظ بالدراعة وجعلها في سفط وختم عليها، فلما كان بعد ذلك بمدة يسيرة تغير علي بن يقطين على بعض غلمانه ممن كان يختص بأموره ويطلع عليها، فصرفه عن خدمته وطرده لأمر أوجب ذلك منه، فسعى الغلام بعلي بن يقطين الى الرشيد وقال له: ان علي بن يقطين يقول بإمامة موسى الكاظم، وانه يحمل اليه في كل سنة زكاة ماله والهدايا والتحف، وقد حمل اليه في هذه السنة ذلك وصحبته الدراعة السوداء التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا، فاستشاط الرشيد لذلك غضباً شديداً وقال: لأكشفن عن ذلك، فان كان الأمر على ما ذكرت أزهقت روحه وذلك من بعض جزائه، فأنفذ في الوقت والحين أن يحضر علي بن يقطين، فلما مثل بين يديه قال: ما فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتكها واختصصتك بها من مدة من بين سائر خواصي؟ قال: هي عندي يا أميرالمؤمنين في سفط طيب مختوم عليها. فقال: احضرها الساعة فقال: نعم يا أميرالمؤمنين السمع والطاعة، فاستدعى بعض خدمه فقال: امض وخذ مفتاح البيت الفلاني من داري وافتح الصندوق الفلاني وائتني بالسفط الذي فيه على حالته بختمه، فلم يلبث الخادم الاّ قليلا حتى عاد وفي صحبته السفط مختوماً على حالته بختمه، فوضع بين يدي الرشيد، فأمر بفك ختمه ففك وفتح السفط فإذا بالدراعة فيه مطوية ومدفونة بالطيب على حالها لم تلبس ولم تدنس ولم يصبها شيء من الأشياء. فقال لعلي بن يقطين: ردها إلى مكانها وخذها وانصرف راشداً، فلن نصدق بعدها عليك ساعياً، وأمر أن يتبع بجائزة سنية، وأمر أن يضرب الساعي ألف سوط فضرب، فلما بلغوا الى خمس مائه سوط مات تحت الضرب قبل الألف»(9).
روى إسحاق بن عمارة قال: «لما حبس هارون موسى الكاظم عليه السّلام دخل عليه السجن ليلا أبو يوسف ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، فسلما عليه وجلسا عنده وأرادا أن يختبراه بالسؤال لينظرا مكانه من العلم، فجاء بعض الموكّلين بالكاظم عليه السّلام فقال له: ان نوبتي قد فرغت وأريد الانصراف الى غد ان شاء الله، فان كان لك حاجة تأمرني أن آتيك بها معي إذا جئتك غداً فقال: ما لي حاجة انصرف. ثم قال لأبي يوسف ومحمّد بن الحسن: اني لأعجب من هذا الرجل، يسألني أن أكلفه حاجة يأتيني بها غداً إذا جاء وهو ميت في هذه الليلة، فأمسكا عن سؤاله وقاما ولم يسألا عن شيء وقالا : أردنا أن نسأله عن الفروض والسنّة أخذ يتكلم معنا علم الغيب، والله لنرسل خلف الرجل من يبيت عند باب داره وننظر ما يكون من أمره، فأرسلا شخصاً من جهتهما جلس على باب ذلك الرجل، فلمّا كان أثناء الليل وإذا بالصراخ والواعية فقيل لهم: ما الخبر؟ فقالوا: مات صاحب البيت فجأة، فعاد اليهما الرسول وأخبرهما بذلك، فتعجّبا من ذلك غاية العجب»(10).
قال محمّد بن طلحة الشافعي: «فهذه الكرامات العالية الأقدار الخارقة العوايد هي على التحقيق حلية المناقب، وزينة المزايا، وغرر الصفات، ولا يؤتاها الا من أفاضت عليه العناية الربانية أنوار التأييد، ومرت له اخلاف التوفيق وازدلفته من مقام التقديس والتطهير (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم)(11)ولقد قرع سمعي ذكر واقعة عظيمة ذكرها بعض صدور العراق أثبتت لموسى عليه السّلام أشرف منقبة وشهدت له بعلوّ مقامه عند الله تعالى وزلفى منزلة لديه وظهرت بها كرامة بعد وفاته، ولا شك أن ظهور الكرامة بعد الموت أكبر منها دلالة حال الحياة. وهي: أن من عظماء الخلفاء ـ مجدهم الله تعالى ـ من كان له نائب كبير الشأن في الدنيا من مماليكه الأعيان في ولاية عامة طالت فيها مدته، وكان ذا سطوة وجبروت، فلما انتقل الى الله تعالى اقتضت رعاية الخليفه أن تقدم بدفنه في ضريح مجاور لضريح الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام بالمشهد المطهر، وكان بالمشهد نقيب معروف مشهود له بالصلاح كثير التردد والملازمة للضريح والخدمة له قائم بوظائفها، فذكر هذا النقيب أنه بعد دفن ذلك المتوفى في ذلك القبر بات بالمشهد، فرأى في منامه أن القبر انفتح والنار تشتعل فيه وقد انتشر منه دخان ونار الى أن ملأت المشهد ، وان الإمام موسى عليه السّلام واقف فصاح بهذا النقيب باسمه وقال له: تقول للخليفة: يا فلان ـ وسماه ما اسمه ـ لقد آذيتني بمجاورة هذا الظالم، وقال كلاماً خشناً، فاستيقظ ذلك النقيب وهو يرعد فرقاً وخوفاً، فلم يلبث أن كتب ورقة وسيّرها منهياً فيها صورة الحال وجليّة الواقعة بتفصيلها، فلما جن الليل جاء الخليفة الى المشهد المطهر بنفسه واستدعى النقيب ودخلوا الى الضريح وأمر بكشف ذلك القبر ونقل ذلك المدفون الى موضع خارج المشهد، فلمّا كشفوه وجدوا فيه رماد الحريق ولم يجدوا للميت أثراً، وفي هذه القصة زيادة استغناء عن بقية مناقبه، واكتفاء عن بسط القول فيها»(12).

(1) الفصول المهمة ص232.
(2) القادسية: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً (معجم البلدان ج4 ص291).
(3) في المصادر الاخرى: سواها.
(4) الفصول المهمة ص233، ورواه الشبلنجي في نور الأبصار ص174 والصبان في اسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص226 ومحمّد بن طلحة في مطالب السؤول ص226 والسمهودي في جواهر العقدين ص352 والحضرمي في وسيلة المآل ص422 والقندوزي في ينابيع المودة ص362.
(5) الفصول المهمة ص234.
(6) الفصول المهمّة ص234.
(7) الفصول المهمة ص235.
(8) الفصول المهمة ص235.
(9) الفصول المهمة ص236.
(10) الفصول المهمة ص241.
(11) سورة فصلت : 35 .
(12) مطالب السؤول ص228 مخطوط.

قادتنا كيف نعرفهم (الجزء الرابع) تأليف: (آية الله العظمى السيد محمد هادي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://al-haqaeq.com/library/lib-pg.php?booid=21&mid=277&pgid=2780