آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)
البحث

حجم الخط الفهرس سحب الصفحة على الورق
صفحات أخرى من الفصل:
الفصل الثاني: الأخبار المعارضة
حديثٌ في أنّ المهدي من ولد الحسن
أخرج صاحب المشكاة عن أبي إسحاق، قال: «قال علي ـ ونظر إلى ابنه الحسن ـ قال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسيخرج من صلب رجل يسمّى باسم نبيّكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق. ثم ذكر قصّة: يملأ الأرض عدلاً. رواه أبو داود ولم يذكر القصة»(1).
قال القاري بشرحه: «فهذا الحديث دليل صريح على ما قدّمناه من أنّ المهدي من أولاد الحسن ويكون له انتساب من جهة الأُم إلى الحسين، جمعاً بين الأدلّة. وبه يبطل قول الشيعة: إن المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري القائم المنتظر، فإنّه حسيني بالإتّفاق. لا يقال: لعلَّ عليّاً رضي اللّه تعالى عنه أراد به غير المهدي. فإنّا نقول: يبطله قصّة يملأ الأرض عدلاً، إذ لا يعرف في السادات الحسينية ولا الحسنية من ملأ الأرض عدلاً إلاّ ما ثبت في حق المهدي الموعود»(2).
أقول: إنّه لا دليل في الاُصول الستّة المسمّاة بالصحاح عند القوم على أنّ «المهدي» من ولد «الحسن» إلاّ هذا الحديث، وهو ليس إلاّ في (سنن أبي داود). قال ابن الأثير: ]د ـ أبو إسحاق، عمرو بن عبداللّه السبيعي رحمه اللّه. قال قال علي ـ ونظر إلى ابنه الحسن ـ فقال... ثم ذكر قصّة يملأ الأرض عدلاً[ أخرجه أبو داود ولم يذكر القصّة»(3).
وقال الشيخ منصور: «عن علي رضي اللّه عنه قال ـ وقد نظر إلى ابنه الحسن ـ : إن ابني هذا سيّد كما سمّاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيّكم يشبه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق. وعنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: يخرج رجل من وراء النهر... رواهما أبو داود»(4).
أقول:
إذا كان هذا هو الدليل الوحيد للقول بأنّ «المهدي» من ولد «الحسن» فلابدّ من التأمّل فيه سنداً ولفظاً ومدلولاً:
أما سند الحديث، فقد جاء في سنن أبي داود: «قال أبو داود: حدّثت عن هارون بن المغيرة قال: نا عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال قال علي... ثم ذكر قصّة يملأ الأرض عدلاً»(5).
ويكفي لوهنه ما في أوّل السّند وآخره. أمّا أوّله، فأبو داود يقول: «حدّثت عن هارون بن المغيرة» فمن الذي حدّثه به؟ وأمّا في آخره، فأبو إسحاق السبيعي إنما رأى عليّاً عليه السلام رؤيةً فقط، فلابدّ وأنّه حُدّث بذلك، فمن الذي حدّثه به؟
هذا، وقد جاء في حاشية جامع الاصول عن الحافظ المنذري: «قال المنذري: هذا منقطع، أبو إسحاق رأى علياً رؤية فقط. وقال فيه أبو داود: حدّثت عن هارون بن المغيرة» كما جاء في حاشية المشكاة: «إسناد الحديث ضعيف».
وأمّا لفظه، فمختلف صدراً وذيلاً، أمّا صدره ففي أنّه «الحسن» أو «الحسين»، فقد قال القندوزي الحنفي «وعن أبي اسحاق قال: قال علي ـ ونظر إلى ابنه الحسين ـ قال: إن ابني هذا سيد... ثم ذكر قصّة يملأ الأرض عدلاً. رواه أبو داود ولم يذكر القصّة»(6) وهذا نفس ما جاء في (جامع الاصول) و(المشكاة) نقلاً عن (أبي داود) إلاّ أنه بلفظ «الحسين» لا «الحسن».
هذا بالنسبة إلى حديث أبي داود، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حديث غيره من أحاديث الباب، الواردة في بعض الكتب، فهذا السّلمي الشافعي يروي في كتاب (عقد الدرر في أخبار المنتظر) عن الأعمش عن أبي وائل مثلَ حديث أبي إسحاق السبيعي، لكن النسخ مختلفة، فعن النسخة الأصليّة، وكذا المستنسخة عن خطّ المؤلّف: «نظر إلى الحسين» وفي بعض النسخ الاخرى منه: «نظر إلى الحسن».
وروى عن الحافظ أبي نعيم في (صفة المهدي) حديث حذيفة الآتي عن (ذخائر العقبى)، فكان في النسخة الأصليّة والمكتوبة عن خطّه أيضاً: «وضرب بيده على الحسين»، لكنْ في بعض النسخ الاخرى: «الحسن»(7).
فهل وقع هذا الاختلاف عندهم من جهة الشبه بين لفظي «الحسن» و«الحسين» كتابةً، أو كان هناك قصد وعمد من بعض المغرضين كيلا تصل الحقائق إلى الاُمّة كما هي وكما تروى عن أهل البيت الذين أدرى بما في البيت؟ إنّه وإنْ لم نستبعد الإحتمال الأوّل لكنّ الذي يقوى في النظر هو الثاني، لقرائن كثيرة عندنا تؤيّده، لا سيّما فيما يتعلّق بأهل البيت، وحتّى في هذا المورد عثرنا على قرينة قويّة على أنّ القوم كانوا يحاولون كتم الحقيقة ـ وهي كون «المهدي» من ولد «الحسين» ـ أو كانوا يمتنعون من التصريح بها واللّه العالم بسبب ذلك!! وذلك:
ما رواه الإمامان الحافظان أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي، وأبو عبداللّه بن حماد، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: أحق المهدي؟ قال: نعم، هو حق. قلت: ممّن هو؟ قال: من قريش. قلت: من أي قريش؟ قال: من بني هاشم. قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال: من ولد عبدالمطلب. قلت: من أيّ ولد عبدالمطلب؟ قال: من أولاد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن»(8).
قلت: فلماذا «حسبك الآن»؟ اللّه أعلم!!
وأمّا ذيله، فقد عرفت أنّ أبا داود يقول: «وذكر قصّة يملأ الأرض عدلاً» فمن الذي «ذكر»؟ ولماذا لم يذكر أبو داود القصّة، كما نبّه عليه ابن الأثير وصاحب المشكاة وغيرهما؟ ثم جاء صاحب (التاج) فلم يذكر قوله: «وذكر قصّة يملأ الأرض عدلاً» أصلاً، ممّا يؤكّد أنّ هذه القطعة لم تكن من الحديث، ويزيده تأكيداً أن الحافظ البيهقي رواه في كتاب (البعث والنشور) عن أبي إسحاق كذلك، أي إلى قوله: «يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق»(9).
وأما مفاد الحديث ومدلوله، فإنه بعد ما عرفت الإضطراب في لفظه ومتنه لا يدل على شيء، فلا يبقى مجال لما ذكره القاري، ويسقط ما ادّعاه من أن الحديث يبطل ما تذهب إليه الشيعة الإماميّة! وأيضاً: يبقى الإشكال الذي أورده بقوله: «لا يقال: لعلّ عليّاً...» على حاله، إذ قصّة «يملأ الأرض عدلاً» لم يظهر كونها من الحديث عن علي عليه السلام لو كان بلفظ «الحسن».


(1) مشكاة المصابيح 3 / 1503.
(2) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 168.
(3) جامع الاصول 11 / 49.
(4) التاج 5 / 343 ـ 344.
(5) صحيح أبي داود 2 / 208.
(6) ينابيع المودة: 518.
(7) عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر: 23 ـ 24.
(8) عقد الدرر: 23.
(9) عقد الدرر: 31.

Flag Counter counter widget
دهکده وب - قرية الويب - w3village.com